عليخان المدني الشيرازي

863

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

تنبيهات : الأوّل : صريح كلامه أنّ بل يعطف بها مطلقا ، سواء كانت بعد الإيجاب أو غيره ، وهو مذهب البصريّين ، منع ذلك الكوفيّون بعد غير النفي وشبهه . قال هشام « 1 » : محال ضربت زيدا بل إيّاك . قال أبو حيّان : وهذا من الكوفيّين مع كونهم أوسع من البصريّين في اتّباع شواذّ العرب دليل على أنّه لم يسمع العطف بهما في الإيجاب أو على قلّته ، ولا يعطف بها بعد الاستفهام وفاقا . الثاني : قضية إطلاقه أنّ بل تعطف الجمل كما تعطف المفردات ، والصحيح أنّ الداخلة على الجملة حرف ابتداء لا عاطفة ، وأنّها لا تكون عاطفة ، إلا إذا تلاها مفرد ، ومعناها الإضراب مطلقا ، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إمّا الإبطال نحو : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء / 26 ] أي بل هم عباد ، ونحو : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ [ المؤمنون / 70 ] وإمّا الانتقال من غرض إلى آخر نحو : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا [ الأعلى / 16 و 15 و 14 ] ، ونحو : وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [ المؤمنون / 63 و 62 ] . وذكر ابن مالك في شرح كافيته أنّها لا تقع في التتريل إلا على هذا الوجه ، ووهمه في ذلك جماعة بدليل ورودها للإبطال في الأيتين السابقتين . قال الدمامينىّ : ومجمل هذا الكلام عند ابن مالك أنّها لا يقع بيقين في القرآن إلا للتنبيه على انتفاء أمر واستئناف غيره ، فلا يتمّ توهيمه بتينك الآيتين الشريفتين ، إذ ليس الإضراب على وجه الإبطال متعيّنا في شيء منهما لاحتمال أن يكون الإضراب فيهما عن القول لا عن القول المحكيّ ، ولا شكّ أن الإخبار بصدور ذلك منهم ثابت ، لا يتطّرق إليه الإبطال بوجه ، فيكون الإضراب فيهما لمجرّد الانتقال من أمر إلى استئناف آخر ، انتهى . وسبقه إلى ذلك ابن الصائغ في حاشية المغنى . الثالث : علم ممّا تقرّر أنّ بل تكون للاستدارك كالإضراب . قال ابن هشام في المغنى : والنحويّون يقولون : بل حرف إضراب ، والصواب حرف استدارك وإضراب ، فإنّها بعد النفي والنهي بمترلة لكن سواء . الرابع : تزاد لا قبل بل لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب كقوله [ من الخفيف ] : 965 - وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم * يقض للشمس كسفه أو أفول « 2 »

--> ( 1 ) - لعلّه هشام بن معاوية الضرير أبو عبد اللّه النحويّ الكوفيّ ، أحد أعيان أصحاب الكسائيّ ، صنّف : مختصر النحو ، الحدود ، القياش ، توفّي سنة 209 ه ، بغية الوعاة 2 / 328 . ( 2 ) - لم يسمّ قائله . اللغة : الكسفة : فعلة من الكسوف وهو التغيير إلى السواد ، الأفول : الغروب .